عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
9
الأسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار
حدث ذلك فعلا حيث احتدمت بينه وبين بعض الأمراء الموحّدين مجادلات عنيفة ، وحيكت حوله دسائس قوية اتهمته بإحداث اضطراب في سياسة الدولة . وإذ ذاك رأى في حالة اليقظة أنه أمام العرش الإلهي المحمول على أعمدة من لهب متفجّر ، ورأى طائرا بديع الصّنع يحلّق حول العرش ويصدر إليه الأمر بأن يرتحل إلى الشرق وينبّئه بأنه سيكون هو مرشده السموي ، وبأن رفيقا من البشر يدعى فلانا ينتظره في مدينة فاس ، وأن هذا الأخير قد أمر هو أيضا بهذه الرحلة إلى الشرق ، ولكنه يجب ألا يرتحل قبل أن يجيء إليه رفيق من الأندلس ، فيفعل ما أمر به ويرتحل بصحبة هذا الرفيق . وفيما بين سنتي 597 ، 620 ه 1200 ، 1223 م يبدأ رحلاته الطويلة المتعددة إلى بلاد الشرق فيتجه في سنة 1201 م إلى مكة فيستقبله فيها شيخ إيراني وقور جليل عريق المحتد ممتاز في العقل والعلم والخلق والصلاح . وفي هذه الأسرة التقية يلتقي بفتاة تدعى « نظاما » وهي ابنة ذلك الشيخ ، وقد حبتها السماء بنصيب موفور من المحاسن الجسميّة ، والميزات الروحانية الفائقة ، فاتخذ منها محيي الدين رمزا ظاهريا للحكمة الخالدة ، وأنشأ في تصوير هذه الرموز قصائد سجّلها في ديوان ألّفه في ذلك الحين . وفي هذه البيئة النقية المختارة له من قبل سطعت مواهبه العقلية والروحية ، وتركّزت حياته الصوفية ، وجعلت تصعد في معارج القدس شيئا فشيئا حتى بلغت شأوا عظيما . ومن ذلك أنه في إحدى طوفاته التأمّلية والبدنية بالكعبة يلتقي من جديد بمرشده السموي الذي أمره سالفا بالهجرة من الأندلس والمغرب إلى الأصقاع الشرقية ، فيتلقّى منه الأمر أيضا بتأليف كتابه الجامع الخالد « الفتوحات المكية » الذي ضمّنه أكثر وأهمّ آرائه الصوفية والعقلية ومبادئه الروحية ، والذي لا يتطاول إلى قمته في عصره أي كتاب آخر فيما نعلم من إنتاج هذا الصنف من المتنسّكين . وفي سنة 1204 م يرتحل إلى الموصل حيث تجتذبه تعاليم الصوفي الكبير علي بن عبد اللّه بن جامع الذي تلقّى لبس الخرقة عن الخضر مباشرة ، ثم ألبس محيي الدين إياها بدوره . وفي سنة 1206 م نلتقي به في القاهرة مع فريق من الصوفية الذي يطبّقون حياة تنسّكية قوية محافظة . وهنا يظهر له رائد سموي يأمره بإدخال شيء من الكمال على مذهبه ، ولكنه لا يكاد يفعل حتى يتنمّر له عدد من الفقهاء يحيكون حوله وحول